مقالات

الغبار لا يعرف حدوداً

علينا بالتعاون

بقلم: شهره صدري

أنفاس هور العظيم والمعروف أيضاً بـ “هور الحويزة” باتت معدودة. على ضفافه التي كانت ذات يوم مغمورة بالماء والحياة، تسود الآن سحابة كثيفة من الغبار الذي يتراقص في السماء كرقصة مأساوية على وقع جفاف طويل الأمد. المياه انحسرت، الأراضي تصدعت، والناس هجّروا قسراً من موطنهم الذي كان يفيض بالخضرة.

وهو أحد الأهوار المهمة في العراق، ويقع بين محافظتي ميسان والبصرة

في السنوات الماضية، حوّل الجفاف المتكرر الأراضي الزراعية إلى مساحات قاحلة، فيما أدى تراجع تدفق المياه في حوضي دجلة والفرات إلى تنشيط بؤر الغبار على نحو غير مسبوق. ففي دراسة نشرت عام 2021 في مجلة أبحاث إيولايان ذكر الدكتور علي درويشي، أستاذ جامعة طهران ومستشار برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، أن حوض نهري دجلة والفرات شهد ما يقارب أحد عشر ألف حالة غبار خلال العقدين الأخيرين.

 

هذه ليست قضية تخص دولة بعينها؛ إنها معضلة عابرة للأقاليم. إيران والعراق والكويت، الواقعة جميعها في مصب الحوضين، تدفع الثمن يومياً. أما سكان هور العظيم في إيران والعراق، فهم الأكثر معاناة، إذ يعيشون على تخوم بحيرة جافة تحولت إلى مصدر رئيسي للغبار في المنطقة. محاصيلهم تذبل، أمراض التنفس تحاصرهم، وحقائب النزوح باتت جاهزة دائماً للرحيل إلى أماكن أقل اختناقاً.

 

ورغم تصاعد العواصف الغبارية عاماً بعد عام، لم تتجاوز استجابات دول المنطقة حدود الاجتماعات الرسمية. المسؤولون في هيئة البيئة الإيرانية يعترفون بأن التعاون مع العراق لا يزال حبراً على ورق ولم يتحول إلى خطط تنفيذية. عند هذه النقطة، يصبح صوت الشعوب ضرورة لا خياراً، فالمواطنون هم من يدفعون الثمن المباشر، وهم وحدهم القادرون على دفع حكوماتهم نحو تحالفات دولية وإقليمية تتصدى لهذه الكارثة المتفاقمة.

 

إن التضامن الشعبي قد يبدأ بخطوة بسيطة، لكنها قوية، وهي رفع الوعي. من المزارعين الذين يشهدون تراجع مواسمهم، إلى النساء اللواتي يحمين بيوتهن من الغبار، إلى الطلاب والأطفال والمنظمات المدنية، كل هؤلاء مدعوون إلى نقل صورة الواقع إلى وسائل الإعلام، ومشاركة قصصهم مع العالم، واستخدام الوسوم التي تكشف حجم المعاناة. هكذا فقط يمكن للرأي العام أن يتحرك، ويضغط على الحكومات لاتخاذ إجراءات عاجلة وحاسمة.

 

الغبار لا يعرف حدوداً سياسية، والبؤر التي تولده مشتركة بين دول المنطقة. وإذا ضاعت الفرصة اليوم، فقد نصحو على كارثة أعظم، تترك آثارها على الأرض، والإنسان، وكل ما تبقى من حياة في هذه البقعة التي كانت يوماً خضراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى