“جزيرة جيولوجية” وسط الزحام: هل تنقذ مصر كنزاً طبيعياً عمره 100 مليون عام؟

في ظلال أهرامات الجيزة الخالدة، تكمن “جزيرة” من نوع خاص، لا تعود لآلاف السنين فحسب، بل تمتد جذورها إلى ما قبل ظهور البشر بنحو 100 مليون عام. محمية “قبة الحسنة”، التي أُعلنت محمية طبيعية منذ عام 1989 ، ليست مجرد تلة صخرية، بل هي معجزة جيولوجية نادرة وتمثيل سطحي لنظام “طيّات القوس السوري” العظيم الذي يمتد من سوريا عبر فلسطين وسيناء وصولاً إلى الواحات البحرية. لكن اليوم، يواجه هذا المتحف المفتوح خطر الاندثار بفعل الزحف العمراني الذي يحيط به من كل جانب.
لوحة تكتونية في قلب الجيزة
بالنسبة لعلماء الجيولوجيا، تُعد قبة الحسنة “علم المناظر الطبيعية” بامتياز؛ فهي تعرض تتابعاً من القباب الصخرية المقلوبة التي لا توجد عادةً إلا في أعماق الأرض. تروي هذه الطيّات قصة العصر الطباشيري العلوي، وتقدم نافذة فريدة لمشاهدة الشعاب المرجانية والحياة البحرية المتحفرة التي كانت تزدهر هنا ذات يوم.
ومع ذلك، فإن موقعها الفريد كـ “محمية حضرية” أصبح سلاحاً ذو حدين؛ فبينما يجعلها قربها من القاهرة والجيزة مكاناً مثالياً للبحث العلمي والسياحة البيئية، فإنه يضعها أيضاً في مواجهة مباشرة مع التوسع العمراني المتسارع.
أزمة إدارة: أرقام صادمة
كشفت دراسة حديثة استخدمت “أداة تتبع فعالية الإدارة” (METT) عن واقع مقلق؛ حيث بلغت نسبة فعالية إدارة الموقع 19.75% فقط.
ويسلط تحليل التقييم الضوء على فجوات حرجة تهدد بقاء الموقع:
- النتائج والأثر: سجلت نسبة 0%، مما يعني أن المحمية لا تحقق أهداف الحماية الأساسية التي أُنشئت من أجلها حالياً.
- العمليات التشغيلية: بلغت 11.9% فقط، مما يعكس غياب المراقبة الدورية أو الإدارة النشطة للموارد.
- البنية التحتية والمدخلات: بنسبة 16.6%، يعاني الموقع من نقص الميزانية والكوادر القادرة على إنفاذ قوانين البيئة.
تهديدات متصاعدة
تُصنف “الطية المرئية النادرة” التي تميز هذا الموقع بأنها في حالة “سيئة ومتدهورة”. وقد حددت الدراسة عدة تهديدات عالية الخطورة:
- التفتيت العمراني: طريق القاهرة-الإسكندرية الصحراوي يشق المحمية فعلياً إلى نصفين، مما يعزل مكوناتها الجيولوجية.
- ضغوط التطوير: المشاريع التجارية والسكنية المجاورة (مثل نيو جيزة) تضغط بقوة على حدود المحمية.
- الإهمال والتلوث: رصدت المشاهدات الميدانية انتشاراً مكثفاً للنفايات الصلبة، ومخاطر كهربائية، وتلوثاً ضوضائياً ناتجاً عن الطرق السريعة وميادين الرماية القريبة.
خارطة الطريق نحو الإنقاذ
تخلص الدراسة إلى أن قبة الحسنة هي الأنسب لتُدار كـ “أثر طبيعي” (IUCN Category III). هذا التصنيف من شأنه أن يركز الجهود على حماية “الأثر” الجيولوجي المحدد من خلال خطط تفسير دقيقة وتحديد صارم للنطاقات.
ولإنقاذ القبة، تدعو “خطة العمل” المقترحة إلى:
- الصحوة الرقمية: تفعيل رموز الاستجابة السريعة (QR codes)، وخرائط تفاعلية، وموقع إلكتروني مخصص لسد فجوة الوعي العام.
- دمج المجتمع: صياغة برامج تعليمية للمجتمع المحلي لتعزيز الشعور بـ “المواطنة البيئية” تجاه الموقع.
- الترميم الميداني: إنشاء مسارات مشاة منخفضة التأثير لمنع التعدي على التكوينات الهشة، وتطهير الموقع من المخلفات العمرانية.
إن قبة الحسنة هي أكثر من مجرد تلة في الصحراء؛ إنها شاهد حي على تاريخ الأرض الديناميكي. وبدون تدخل عاجل، قد تختفي “جزيرة الجيزة الجيولوجية” قريباً تحت مد التوسع العمراني.




