COP

تراجع المياه بمرجة الفوارات ومحمية سيدي بوغابة… إنذار بيئي يتطلب تدبيراً عاجلاً ومندمجاً

مقال للخبير البيئي مصطفى بنرامل – رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ

لم يعد التراجع المتواصل في الموارد المائية داخل عدد من المناطق الرطبة بجهة الرباط–سلا–القنيطرة مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل أصبح مؤشراً مقلقاً على اختلال التوازن الهيدرولوجي والإيكولوجي لهذه المجالات. ويبرز هذا الوضع بشكل واضح في كل من مرجة الفوارات بالقنيطرة والمحمية البيولوجية لسيدي بوغابة بمنطقة المهدية، وهما من أهم النظم الرطبة ذات القيمة البيئية العالية في المنطقة.

من منظور بيئي، إن انخفاض منسوب المياه في هذين الموقعين لا يمكن تفسيره بسبب واحد، وإنما هو نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الطبيعية والمناخية والهيدرولوجية والبشرية، مع اختلاف وزن كل عامل من موقع إلى آخر.

وتزداد خطورة الوضع لأن هذه المناطق الرطبة لا تمثل مجرد تجمعات مائية، وإنما تؤدي وظائف بيئية أساسية، من بينها استقبال الطيور المهاجرة، المحافظة على التنوع البيولوجي، تخزين المياه، المساهمة في تغذية المياه الجوفية، الحد من مخاطر الفيضانات، وتنظيم التوازنات المناخية المحلية.

1- التأثيرات على مستوى محمية مرجة الفوارات…

أ- عندما يفقد المجال الرطب توازنه الهيدرولوجي

تعد مرجة الفوارات من المناطق الرطبة ذات الأهمية الإيكولوجية في القنيطرة، وقد أدرجت ضمن مواقع رامسار ذات الأهمية الدولية منذ 2018. وتشير الدراسات العلمية إلى أن النظام الهيدرولوجي للمرجة كان يرتبط تاريخياً بمياه التساقطات والجريان السطحي وبحوض تصريف مائي ومياه العادمة لمنطقة الساكنية بالقنيطرة يغذي الموقع باستمرار، إضافة إلى ارتباطه بالمياه الجوفية والتصريف نحو وادي سبو.

لكن هذا النظام تعرض خلال العقود الماضية لتحولات عميقة نتيجة التوسع الحضري وتغيير استعمالات الأراضي وأعمال التجفيف والتصريف والتهيئة.

وقد أشارت دراسة منشورة سنة 2025 حول تلوث مياه مرجة الفوارات إلى وجود مستويات مرتفعة جداً من التلوث العضوي، وربطت تدهور النظام المائي بمجموعة من العوامل، منها تقلص المجال الرطب، واستخراج المياه، والأنشطة الزراعية، والتصريفات المرتبطة بالمجال الصناعي والعمراني.

كما أن الأدبيات العلمية حول الموقع كانت قد سجلت منذ سنوات أن المرجة تعرضت لضغوط قوية بفعل التوسع الحضري والمنشآت الصناعية، وأن ربط قنوات التصريف مياه العادمة بمحطة المعالجة بالقرب من وادي سبو، ساهم في تسريع إفراغ المياه من المجال الرطب وتراجعه.

وفي هذا السياق، فإنني أرى أن المشكلة الأساسية في مرجة الفوارات ليست فقط قلة المياه، وإنما اختلال دورة المياه داخل النظام البيئي نفسه في ظل التغيرات المناخية والتدبير الحضري. فحين يتم تقليص مساحة المرجة، وتغيير مسارات الجريان الطبيعي، وردم أجزاء من المجال، وفتح قنوات لتسريع تصريف المياه، ثم السماح بتوسع عمراني وصناعي في محيطها، فإننا نكون أمام تغيير جذري في المعادلة الهيدرولوجية للموقع.

وهنا يجب التأكيد على أن كل قطرة ماء تغادر المجال الرطب بسرعة لا تعني فقط فقدان الماء، وإنما تعني أيضاً فقدان وظيفة بيئية كان يمكن أن يؤديها الموقع في تخزين المياه وإعادة تغذية الفرشة المائية والحد من مخاطر الفيضانات.

بـ – الزحف العمراني… عامل أساسي في تقليص قدرة المرجة على الاحتفاظ بالمياه

إن الزحف العمراني المحيط بمرجة الفوارات يمثل أحد أهم مصادر الضغط على النظام البيئي. فالتوسع العمراني يؤدي إلى تغطية التربة بالإسمنت والطرق والمنشآت، وهو ما يقلل من قدرة مياه الأمطار على التسرب الطبيعي إلى الأرض، ويغير اتجاهات الجريان السطحي. كما أن تحويل أجزاء من المجال الرطب إلى مناطق للتهيئة أو الاستثمار يساهم في تقليص المساحة التي تستطيع المرجة استقبال المياه خلالها.

وقد عاد النقاش حول الوضع البيئي لمرجة الفوارات بقوة خلال الأيام الأخيرة، بعدما تم توجيه سؤال كتابي بالبرلمان بتاريخ 3 شتنبر 2026 حول تدهور وضعها البيئي، حيث تمت الإشارة إلى الانخفاض الحاد في المياه والرطوبة، إضافة إلى التلوث والضغط العمراني والمشاريع المجاورة.

وهذا التطور يستدعي، في تقديري، الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق المراقبة العلمية المستمرة.

تـ – التغير المناخي يضاعف الضغط

لا يمكن أيضاً تجاهل العامل المناخي. فالتغير المناخي يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وتزايد فترات الجفاف وعدم انتظام التساقطات، وهو ما ينعكس مباشرة على المناطق الرطبة التي تعتمد بدرجات مختلفة على التساقطات والجريان السطحي والمياه الجوفية. لكن من الخطأ، في الوقت نفسه، تحميل التغير المناخي وحده مسؤولية ما يحدث.

فالجفاف قد يكون عاملاً طبيعياً، لكن هشاشة النظام البيئي أمام الجفاف هي في جزء كبير منها نتيجة تدخلات بشرية سابقة.

فالمجال الرطب السليم يمتلك قدرة أكبر على الاحتفاظ بالمياه ومواجهة الفترات الجافة، بينما المجال الذي تعرض للتجفيف والردم والتجزئة والاستخراج المفرط للمياه يصبح أكثر هشاشة أمام أي موجة جفاف.

وهذا ما يجعل تغير المناخ بمثابة عامل مضاعف للمخاطر وليس بالضرورة العامل الوحيد المسبب لها.

2- التأثير على مستوى المحمية البيولوجية لسيدي بوغابة بالمهدية

أ- أزمة مياه مرتبطة بالمناخ والفرشة المائية

أما بالنسبة إلى المحمية البيولوجية لسيدي بوغابة، فإن الوضع لا يقل إثارة للقلق. فقد سبق أن سجل الموقع انخفاضاً كبيراً في منسوب مياهه خلال فترات الجفاف، إلى درجة تقلص المسطح المائي بشكل واضح. وفي سنة 2020، تم تسجيل نفوق للأسماك، وربطت التحاليل الرسمية الظاهرة أساساً بنقص الأكسجين في المياه، الذي تفاقم بفعل ارتفاع درجة الحرارة والملوحة وانخفاض منسوب البحيرة.

وهذا المثال يوضح لنا أن انخفاض مستوى المياه لا يؤدي فقط إلى تقلص المساحة المائية، وإنما يؤدي إلى سلسلة من الاختلالات البيئية المتتابعة.

فعندما ينخفض حجم المياه، ترتفع درجة حرارتها بصورة أسرع، وقد ترتفع الملوحة، وتنخفض قدرة الماء على الاحتفاظ بالأكسجين، فتتأثر الأسماك والكائنات المائية والطيور التي تعتمد على البحيرة.

كما أن ظاهرة الإثراء الغذائي أو Eutrophisation، الناتجة عن ارتفاع تركيز بعض المغذيات مثل النيتروجين والفوسفور، يمكن أن تزيد من نمو الطحالب والنباتات المائية، ثم يؤدي تحللها إلى استهلاك كميات إضافية من الأكسجين، بما يهدد التوازن البيولوجي للنظام المائي.

بـ – الضخ من المياه الجوفية… الحلقة التي لا تحظى بما يكفي من الانتباه

هناك عامل آخر يجب أخذه بجدية، وهو العلاقة بين المياه السطحية والمياه الجوفية. فالبحيرات والمناطق الرطبة ليست أنظمة منفصلة عن الفرشات المائية. وفي بعض الحالات، تمثل المياه الجوفية مصدراً مهماً لاستمرار وجود المياه داخل المجال الرطب، خصوصاً خلال الفترات التي تتراجع فيها التساقطات.

وتشير دراسة علمية حول الاتجاهات السكانية للبط ذي الرأس الأبيض في سيدي بوغابة إلى أن تقلص الموائل المائية ارتبط بتزايد جفاف أجزاء واسعة من الموقع، كما أشارت إلى تأثر منسوب المياه الجوفية بالضخ المتزايد للمياه لأغراض فلاحية ومنزلية في محيط الموقع. وهنا تبرز ضرورة التعامل مع الحوض المائي بأكمله وليس فقط مع سطح البحيرة.

فإذا قمنا بحماية البحيرة من الداخل، لكن استمر ضخ المياه من الفرشة المائية المحيطة بها دون مراقبة، فإننا نعالج النتيجة ولا نعالج السبب.

3- التلوث يزيد من خطورة نقص المياه

هناك قاعدة بيئية مهمة يجب استحضارها: كلما قلت كمية المياه، أصبحت قدرة النظام المائي على استيعاب الملوثات أقل. ففي حالة وجود كمية كبيرة من المياه، يمكن أن تكون بعض الملوثات مخففة نسبياً، بينما يؤدي انخفاض حجم المياه إلى زيادة تركيز الملوثات ورفع الضغط على الكائنات الحية. وهذا الأمر مهم جداً بالنسبة إلى مرجة الفوارات ونفس المعاناة تعاني منه بحيرة سيدي بوغابة، حيث أظهرت دراسة حديثة مستويات مرتفعة من التلوث العضوي في المياه.

لذلك، فإن حماية المياه لا تعني فقط توفير كمية أكبر منها، بل تعني كذلك تحسين جودتها ومنع مصادر التلوث من الوصول إليها.

4- منطق الإنقاذ إلى منطق إعادة تأهيل النظام البيئي

إن التعامل مع مرجة الفوارات وسيدي بوغابة يتطلب، في رأيي، تجاوز المقاربة التقليدية التي تختزل التدهور البيئي في مجرد قلة التساقطات المطرية، واعتماد رؤية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار التغيرات المناخية والضغط البشري وتدهور الموائل. ويقتضي ذلك إعداد خطة لإعادة تأهيل الدورة المائية والإيكولوجية لكل موقع، تستند إلى تشخيص علمي دقيق لمصادر المياه، ومستوى الفرشة المائية، وجودة المياه، وتغير الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي.

كما ينبغي تحديد أهم مصادر الضغط، خاصة الاستنزاف المائي، والتلوث، والنفايات، وتدهور التربة، والتوسع العمراني أو الزراعي غير المنظم. وتتطلب عملية التأهيل اعتماد حلول طبيعية ومستدامة، مثل استعادة المناطق الرطبة، وحماية المجاري والمصبات، وإعادة تأهيل الغطاء النباتي، وترشيد استعمال المياه. والهدف النهائي هو الانتقال من تدبير الأزمات إلى الوقاية والاستعادة والتكيف المناخي، عبر نظام مستمر للرصد العلمي والمشاركة المجتمعية وتقييم النتائج.

وأقترح في هذا الإطار خمسة إجراءات عاجلة:

أولاً: إنشاء نظام دائم للرصد الهيدرولوجي: يجب قياس مستوى المياه، ودرجة الحرارة، والملوحة، وجودة المياه، ومستوى الفرشة الجوفية، وكميات التساقطات، ومعدلات التبخر بشكل منتظم.

ثانياً: تحديد مصادر المياه ومساراتها: يجب إعداد خريطة دقيقة للحوض المائي المغذي لكل موقع، ومعرفة مصادر الجريان السطحي والمياه الجوفية ومخارج المياه.

ثالثاً: ضبط عمليات الضخ والتصريف: لا يمكن حماية المناطق الرطبة إذا استمر استنزاف المياه الجوفية أو تسريع تصريف المياه السطحية دون تقييم للأثر الإيكولوجي.

رابعاً: وقف التوسع العمراني غير المتوافق مع الوظائف البيئية للمناطق الرطبة: فالتهيئة يجب أن تكون جزءاً من الحل وليس عاملاً إضافياً في الأزمة.

خامساً: اعتماد الحكامة التشاركية: يجب إشراك الجماعات الترابية، وقطاع المياه والغابات، والسلطات المكلفة بالماء والبيئة، والباحثين والجامعات، والمجتمع المدني، والساكنة المحلية، في منظومة واحدة للرصد والحماية.

5- حماية المناطق الرطبة ليست ترفاً بيئياً

إن مرجة الفوارات وسيدي بوغابة تمثلان جزءاً من رأس المال الطبيعي لجهة الرباط–سلا–القنيطرة. والحفاظ عليهما لا يتعلق فقط بحماية الطيور أو النباتات، رغم أهمية ذلك، وإنما يرتبط أيضاً بالأمن المائي والوقاية من الفيضانات والتكيف مع تغير المناخ والحفاظ على جودة المياه والتنوع البيولوجي. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط: لماذا انخفضت المياه؟

بل يجب أن نسأل أيضاً:

كيف يمكن أن نعيد للنظام البيئي قدرته الطبيعية على استقبال المياه وتخزينها وتجديدها؟

فالمنطقة الرطبة التي تجف تدريجياً لا تفقد الماء فقط، وإنما تفقد وظائفها البيئية والاجتماعية والاقتصادية. ومن هنا، فإن إنقاذ مرجة الفوارات وسيدي بوغابة يجب أن يتحول إلى مشروع ترابي للتكيف المناخي وإعادة تأهيل النظم البيئية، يقوم على العلم والبيانات والرصد المستمر، وليس على التدخلات الظرفية.

إن حماية الماء تبدأ بحماية الأحواض التي تحتضنه، وحماية المناطق الرطبة التي تخزنه، وحماية الفرشات التي تغذيها، ومنع الأنشطة التي تستنزفها.

إن جفاف مرجة الفوارات وسيدي بوغابة ليس مجرد فقدان لمسطحين مائيين؛ إنه إنذار مبكر بشأن علاقتنا بالماء وبالمجال وبالتغير المناخي. وكل تأخر في التدخل سيجعل كلفة إعادة التأهيل أكبر، بينما يظل الحل الأكثر عقلانية هو التحرك الآن، قبل أن تتحول أزمة المياه إلى فقدان دائم للوظيفة الإيكولوجية لهذه المواقع.

 

مصطفى بنرامل – خبير بيئي – رئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ

استشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، يتمتع بخبرة مهنية تمتد لأكثر من 25 سنة في مجال التأطير، وتطوير البرامج، وتعزيز مقاربات التربية البيئية والمناخية.

حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، إضافة إلى شهادة عليا في تخصص “تكوين المكونين” معتمدة من جامعة أوريغن الأمريكية. كما نال شهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من منظمة الصليب والهلال الأحمر الدولي، وشهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الموارد الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة.

طيلة مساره المهني، راكم خبرة ميدانية غنية في تصميم وتنفيذ البرامج التكوينية والتوعوية، مع تركيز خاص على التربية على البيئة، والتربية على المناخ، والتربية من أجل التنمية المستدامة، مما مكنه من الإسهام الفعّال في دعم قدرات الفاعلين وتعزيز الوعي البيئي لدى مختلف الفئات المستهدفة.

 

 

مصطفى بنرامل

مصطفى بنرامل استشاري في مجالات البيئة والمناخ والتنمية المستدامة، حاصل على دبلوم الدراسات العليا المعمقة في المجال البيئي من جامعة ابن طفيل بالقنيطرة. كما نال شهادة تكوين المكونين المعتمدة من جامعة أوريغون الأمريكية، وشهادة في تدبير الكوارث الطبيعية من الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، كما حصل على شهادة تكوين المكونين في المجال البيئي والمحافظة على الثروات الطبيعية من كتابة الدولة المكلفة بالتنمية المستدامة، وشهادة مكون تربوي من وزارة التربية الوطنية. ويمتلك خبرة ميدانية تمتد لأكثر من 25 سنة في مجالات التأطير، وبناء القدرات، وتطوير البرامج والمشاريع، مع تخصص في التربية البيئية، والتربية على المناخ، والتربية من أجل التنمية المستدامة، إلى جانب مواكبة المبادرات الرامية إلى تعزيز الوعي البيئي والمناخي ودعم التنمية المستدامة على المستويات المحلية والوطنية. benramelmostafa@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى