
فريق التحقيق الصحفي: ياسين بوغزف – سليمان الشاد – يوسف بوجداين – هديل حدادي – جنات لشهب
تحت إشراف: الأستاذة ليلى أمزوقة – الموسم الدراسي: 2025/2026
سلا من الحواضر المغربية التي ارتبط تاريخها وجغرافيتها بالبحر منذ القدم، وتعتبر الثروة السمكية من أهم مواردها الطبيعية التي كانت ومازالت مصدر عيش وغداء لسكانها. إلا أن هذا الرابط بات في مواجهة تحديات غير مسبوقة، ليس بسبب الأنشطة الاقتصادية وارتفاع نسبة التمدين ومشاريع تهيئة ضفتي أبي رقراق فحسب، بل بفعل التغيرات المناخية أيضا.
فكيف أثرت التغيرات المناخية على الثروة السمكية بساحل سلا؟
مرسى سلا “خاوية على عروشها” أين هاجرت الأسماك؟
في الصباح الباكر “بمرسى سلا” لم تعد أصوات “الدلالة” ترتفع كما كانت في سابق عهدها، وسوق سمك صامتة ووجوه شاحبة ومرهقة، تنتظر شباكا لعلها تحمل من الحظ والأمل ما يعيد إليها ابتسامتها.

مظاهر التغيرات المناخية بساحل سلا:
يتعرض ساحل سلا كغيره من سواحل المغرب لتأثير التقلبات المناخية – بفعل موقعه الجغرافي وخصائص أنظمته الإيكولوجية، ولا يمكن الحديث عن هذه التأثيرات دون الإشارة إلى “بوغريف” نقطة الخطر القصوى التي يواجهها الصيادين التقليديين اليوم، فقد صرح الرايس “رشيد بلكوري” الذي قضى أزيد من 25 سنة بالبحر “البحار يعانون من صعوبة عبور “بوغريف” بسبب التيارات المتصاعدة، حيث تصطدم قوة دفع مياه النهر بقوة أمواج المحيط، وقد زاد التغير المناخي من حدة العواصف، مما يجعل هذا الممر، فخا حقيقيا للقوارب الصغيرة، كما أن ظاهرة الترمل تؤثر على مدخل “بوغريف” وتجعل عمق المياه غير كاف، مما يدفع القوارب إلى الارتطام والتحطم”. كما يعاني الصيادون من رفع الراية الحمراء التي تمنعهم من دخول البحر، مما يؤثر على مصدر عيشهم لأيام طويلة ويجبرهم على البطالة القسرية بسبب تغير المناخ. ويدفع عدد من أصحاب قوارب الصيد التقليدي إلى البحث عن بدائل لإعالة أسرهم.
الوجهة سوق السمك بقرية أولاد موسى:

وفي السياق ذاته، توجه فريق العمل الصحفي صوب سوق السمك بقرية أولاد موسى لمقابلة عدد من بائعي الأسماك للوقوف على مدى تأثير التغيرات المناخية عليهم من جهة وعلى زبنائهم من جهة أخرى. فانخفاض كمية الأسماك بسبب حالة البحر أثر على الكمية المصطادة وأنواعها وأسعارها، حيث صرح عبد الإله المير (بائع السمك منذ 1998) “الأسماك المعروضة للبيع في السوق اليوم تغير مصدرها، فلم “يعد مرسى سلا قادرة على تزويد المستهلك بحاجاته الغدائية، مما اضطر بائعي الأسماك إلى جلبه من أسواق الدار البيضاء والقنيطرة والعرائش. مما ساهم في ارتفاع الأسعار إلى جانب تعدد الوسطاء “الشناقة” وحرم شريحة مهمة من الزبناء من اقتناء الأسماك لتدني قدرتهم الشرائية.”
إذن فالقطاع يعيش على وقع أزمة حقيقية تستدعي تدخلا عاجلا من كافة الفاعلين، لحماية الثروة السمكية من جهة، وحق الصيادين والمستهلكين في الحصول عليها بأثمنة معقولة من جهة أخرى.
أرقام وإحصائيات مقلقة:
تناولت العديد من الدراسات والتقارير موضوع التغيرات المناخية وتأثيرها على السواحل المغربية عامة وساحل سلا خاصة، وهي إحصائيات مقلقة، فحوالي 54% من السواحل تتآكل وتتراجع بمعدل 12 سنتمتر سنويا، كما أن ارتفاع درجة حرارة المياه دفعت بعض الأنواع من السمك كالسردين والشورغو للهجرة نحو المياه الباردة أو نحو الأعماق، مما صعب أمر اصطيادها، كما أن التقلبات المناخية أدت إلى اضطراب الفصول وإرباك دورات التكاثر، فتراجعت المصاييد بمعدل 11% (2025)، كما تراجع حجم الأسماك السطحية بنسبة 20% في نفس السنة، مقارنة بالسنوات السابقة.

المصدر: المكتب للصيد البحري (ONP)
وكما يوضح المبيان أعلاه، فقد سجل تراجع القيمة المفرغة وطنيا بين سنتي 2024 و2025، مما أفضى إلى تراجع القيمة المالية في ذات الفترة.
إن إنقاذ قطاع الصيد البحري والحفاظ على الثروات السمكية لبلادنا، قد لا يتطلب مجرد إحصائيات ودراسات حول الموضوع، بل إرادة سياسية حقيقية تضع الإنسان والبيئة في قلب أي مخطط تنموي قائم على بعد الاستدامة في مواجهة التغير والمناخي وتداعياته المقلقة.
هل من حلول لمواجهة التغيرات المناخية وتأثيرها على الصيد:
سلط السيد وزير الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات، أثناء تقديم استراتيجيات “أليوتيس 2” في مارس 2026، الضوء على مجموعة من النقط التي تضمن استدامة الموارد البيئية من خلال توسيع وإنشاء مناطق بحرية محمية وتشجيع استخدام الطاقات النظيفة لتقليل انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون… وخلق التنافسية والابتكار من خلال تحويل بعض المنتوجات البحرية محليا للرفع من عائداتها المالية وخلق فرص جديدة للشغل. اما عن الصمود والأمن الغذائي، فقد تم وضع آليات لضمان وصول الأسماك للمواطن المغربي بأسعار معقولة وتشجيع تربية الأسماك والأعشاب البحرية في المزارع، أما عن تأهيل العنصر البشري، تسعى الاستراتيجية إلى تحديث معاهد التكنولوجيا للصيد من أجل تخريج يد عاملة خبيرة ومؤهلة تضمن استدامة الموارد البحرية، كما أكد السيد محمد الإدريسي بصفته ممثل مهنيي الصيد التقليدي بسلا، على نفس النقط المدرجة في استراتيجية “أليوتيس 2” وعرج خلال هذا اللقاء على المشاكل التي تواجه القطاع بسلا، مقترحا بعض الحلول منها:
- تعزيز الإجراءات الأمنية وضمان وصول المنتجات السمكية لسوق الجملة بطريقة آمنة ومضمونة؛
- تعزيز الحماية الاجتماعية للعاملين في قطاع الصيد البحري، خاصة التغطية الصحية والتعويض عن أيام التوقف القسري بسبب التقلبات المناخية.
خلاصة القول، إن ما يحدث في سواحل سلا، ليس مجرد سحابة صيف عابرة، بل هو تحول هيكلي في علاقة الإنسان بالبحر، وإذا لم يتم التحرك على وجه السرعة، بدعم بحارة سلا، فإن جزءا أصيلا من هوية المدينة وتاريخها الاقتصادي قد يغرق تحت أمواج التغير المناخي.
المراجع:
- المكتب الوطني للصيد البحري عبر الرابط ma؛
- المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري inrh عبر الرابط ma؛
- المندوبية السامية للتخطيط hcp عبر الرابط ma
- وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية
- موقع البحر نيوز albahrnews
- فاطمة أحمد جنيد، عيسى البوزيدي، التقلبات المناخية وانعكاساتها على الصيد البحري بساحل المهدية، مجلة الدراسات الإفريقية وحوض النيل.
- مقابلات ميدانية
المعجم:
- بوغريف: أو البوغاز مصطلح جغرافي يعني نقطة التقاء مياه نهر أبي رقراق بمياه المحيط الأطلنتي.
- الدلالة: المزاد العلني
- الشناقة: السماسرة والوسطاء في البيع والشراء



