تحقيقات

انسحاب أمريكا من المنظمات متعددة الأطراف المناخية

التداعيات والفرص لدول المنطقة العربية

قرار الولايات المتحدة الأمريكية الانسحاب من 66 منظمة وهيئة دولية، مع استهدافها لأعمدة الحوكمة المناخية الأساسية (UNFCCC, IPCC, IRENA)، ليس مجرد خطوة رمزية، بل زلزال مؤسسي في بنية النظام الدولي للعمل المناخي والعدالة المناخية. هذا القرار، الذي يكرّر نفس السيناريو الذي بدأ عام 2017، يفسّر السؤال الحاسم: كيف يمكن لدول منطقتنا أن تحصّن استراتيجياتها المناخية والاستثمارية في ظل تفكك الالتزامات الدولية الأساسية وتأثر المجموعات الاجتماعية الأكثر هشاشة (الشباب، النساء، الأطفال، المجتمع المدني) بشكل مباشر.

ماهية القرار وحدوده المؤسسية

  1. تفاصيل المذكرة الرئاسية والكيانات المستهدفة

تشير التقارير الصحفية والتحليلات الأولية إلى أن المذكرة الرئاسية الصادرة عن البيت الأبيض تُوجّه بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة وهيئة دولية، منها 31 كيانًا مرتبطًا بمنظومة الأمم المتحدة و35 جهة غير تابعة للأمم المتحدة، مع توجيه الوكالات الفيدرالية لوقف المشاركة أو التمويل “في أقرب وقت ممكن” ضمن ما يسمح به القانون.

تتضمن القائمة مؤسسات ذات ثقل في الحوكمة المناخية والطاقة:

  • اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (UNFCCC): الإطار القانوني الذي يقوم عليه نظام مفاوضات المناخ العالمي بما في ذلك اتفاق باريس، ومؤتمرات الأطراف (COP).
  • الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC): الجهة العلمية المرجعية التي تُصدر تقارير تقييمية كل 6–7 سنوات لتغذية السياسات المناخية عالميًا.
  • الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA): منظمة حكومية دولية مقرها أبوظبي، تلعب دورًا محوريًا في دعم سياسات الطاقة المتجددة وبناء القدرات والاستثمار.
  • منظمات أخرى في مجالات الطاقة، والتنمية، والحوكمة الاقتصادية، والعمالة، والنوع الاجتماعي.
  1. سياق سياسي أوسع: “أمريكا أولًا” والتراجع عن التعددية

يأتي القرار امتدادًا لنهج “أمريكا أولًا” الذي يشكك في جدوى المؤسسات متعددة الأطراف، ويعتبر كثيرًا منها “مكلفة أو غير فعالة أو مناهضة للمصالح الأمريكية”.

سبق هذا التوجه انسحابات أو تجميد تمويل لهيئات أخرى مثل منظمة الصحة العالمية، الأونروا، مجلس حقوق الإنسان، واليونسكو خلال الأعوام الماضية، مما يكرّس اتجاهًا نحو تقليص الدور الأمريكي في الحوكمة متعددة الأطراف لصالح أدوات ثنائية أو قومية أكثر تحكمًا.

 

أثر الانسحاب على منظومة التفاوض المناخي العالمية

  1. اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية (UNFCCC) كعمود فقري للحكم المناخي

تُعد اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ، الموقعة عام 1992 من قبل 198 دولة تقريبًا، العمود الفقري للتعاون المناخي الدولي؛ فهي الإطار الذي أُنشئ ضمنه اتفاق باريس 2015 وكل المحاور المتعلقة بالتمويل والتخفيف والتكيّف والخسائر والأضرار.

الانسحاب الأمريكي من الاتفاقية يعني عمليًا:

  • أن الولايات المتحدة تصبح الدولة الوحيدة تقريبًا خارج الإطار القانوني الأساسي للمناخ بعد أن كانت سابقًا خارج اتفاق باريس فقط لفترة محدودة.
  • تقليص قدرة الولايات المتحدة على التأثير الرسمي في مسارات التفاوض، بما في ذلك تحديد الهدف الكمي الجديد للتمويل بعد 2025، وقواعد الشفافية العالمية، والمراجعات الدورية للتعهدات الوطنية (NDCs).
  • خلق فراغ سياسي يمكن أن تسعى قوى أخرى لملئه، مثل الاتحاد الأوروبي والصين والهند، إضافة إلى تكتلات الجنوب العالمي.
  1. التمويل المناخي: فجوات قائمة تُفاقَم بالانسحاب

على مستوى التمويل، التزمت الدول المتقدمة في كوبنهاغن 2009 ثم باريس 2015 بتعبئة 100 مليار دولار سنويًا من التمويل المناخي للدول النامية بحلول 2020 وتمديد هذا المستوى حتى 2025.

الفجوة الأمريكية في تمويل المناخ

تشير البيانات الرسمية إلى أن الولايات المتحدة تقصّر بشكل كبير عن التزاماتها:

البيانات أعلاه توضح الفجوة الحادة بين الحصة العادلة للولايات المتحدة (حوالي 40 مليار دولار سنويًا بناءً على مسؤوليتها التاريخية عن الانبعاثات) وما قدمته فعليًا (7.6 مليار دولار في 2020).

وفق تحليل لمعهد ODI والمركز العالمي للموارد (WRI):

  • كان على الولايات المتحدة وحدها أن تقدّم نحو 43 مليار دولار في 2020 كـ”حصة عادلة” بالنظر إلى حجم اقتصادها ومسؤوليتها التاريخية عن الانبعاثات.
  • لكنها قدّمت حوالي 2 مليار دولار فقط من التمويل الثنائي المباشر، أي نحو 5٪ من نصيبها العادل.
  • المساهمات الأمريكية أقل من 20٪ من مسؤوليتها العادلة، مما يجعل الولايات المتحدة الأكبر متأخرة عن التزاماتها، بفارق يفوق تجميع كل الدول المتقدمة الأخرى.

الاتجاهات الإجمالية للتمويل المناخي

على الرغم من النقص الأمريكي، شهد التمويل المناخي العالمي نموًا ملحوظًا:

Global Climate Finance Distribution 2023 ($1.9 Trillion)
Global Climate Finance Distribution 2023 ($1.9 Trillion)

الرسم البياني أعلاه يكشف عن اختلال خطير في أولويات التمويل المناخي:

  • وصل التمويل المناخي العالمي إلى 9 تريليون دولار في 2023، بزيادة 15٪ عن 2022.
  • 94٪ من التمويل موجه للتخفيف (خاصة الطاقة النظيفة والنقل)، بينما التكيّف والخسائر والأضرار تلقى أقل من 10٪.
  • في منطقتنا العربية والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قُدّر التمويل المناخي بنحو 21 مليار دولار في بعض السنوات الأخيرة، مع تزايد دور القطاع الخاص لكن بتركيز على الطاقة النظيفة بدلاً من التكيّف.
  1. المناخ العلمي: خسارة عضوية رسمية في IPCC

الانسحاب من الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPCC) لا يمنع علماء الولايات المتحدة من المشاركة الفردية في إعداد التقارير، لكنه:

  • يحد من قدرة الحكومة الأمريكية على التأثير المباشر في جداول العمل، وأسئلة السياسة، وتركيب فرق الخبراء الرئيسيين.
  • يُضعف صورة التوافق بين العلم والسياسة في واشنطن، ويمنح هامشًا أكبر للتيارات المشككة في العلم المناخي على المستوى المحلي.
  • يرسل إشارة سياسية سلبية للدول المترددة أصلاً في تعزيز طموحها المناخي، ما قد ينعكس على إجمالي “فجوة الطموح” بين المسار الحالي وهدف حصر الاحترار في 1.5 درجة مئوية.

 

أسواق الكربون وحوكمة المعايير في ظل الغياب الأمريكي

  1. توازنات أسواق الكربون العالمية

تطورت أسواق الكربون (الأسواق الطوعية والأسواق المنظمة وفق المادة 6 من اتفاق باريس) في السنوات الأخيرة بسرعة، مع توسع برامج الاعتمادات الكربونية ومعايير “الكربون المحايد”.

انسحاب الولايات المتحدة من UNFCCC ومن بعض المبادرات ذات الصلة يعني:

  • تقليص حضورها في صياغة قواعد المادة 6 (التعاون الدولي القائم على النتائج، والآليات السوقية وغير السوقية)، ما قد يفتح المجال لمقاربات تنظيمية تقودها أطراف أخرى وخاصة الاتحاد الأوروبي، الذي يطور آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، والصين التي تدير أكبر سوق للانبعاثات على مستوى وطني.
  • احتمالية اتجاه الولايات المتحدة أكثر نحو ترتيبات ثنائية وإقليمية في تجارة الكربون ومعايير إزالة الكربون في سلاسل القيمة، بعيدًا عن الشرعة الأممية الجماعية.
  1. تأثير ذلك على الدول النامية ومنطقتنا

بالنسبة للدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التي تسعى إلى الاستفادة من أسواق الكربون عبر مشاريع مثل الهيدروجين الأخضر، والطاقة المتجددة، ومشاريع احتجاز الكربون، يطرح الانسحاب الأمريكي تحديات وفرصًا متداخلة:

  • من جهة، قد يؤدي ضعف التنسيق العالمي إلى زيادة تفتت المعايير بين أوروبا، أمريكا، آسيا، ما يرفع التكلفة التنظيمية على الشركات والجهات المصدّرة في المنطقة.
  • من جهة أخرى، يمكن للدول العربية، عبر المنصات الإقليمية (جامعة الدول العربية، مجلس التعاون، الاتحاد من أجل المتوسط)، المساهمة في تشكيل مقاربات إقليمية موحّدة لمعايير الكربون، ما يمنحها قدرة تفاوضية أفضل في التعامل مع الشركاء الكبار.

 

التعاون الدولي في الطاقة المتجددة وبناء القدرات

  1. مكانة IRENA ودور الولايات المتحدة

الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) تُعد أحد أهم المنصات العالمية لدعم الطاقة النظيفة؛ تشمل مهامها بناء القدرات، تقديم الاستشارات السياسية، إعداد السيناريوهات والمسارات، وتحفيز الاستثمار في الطاقة المتجددة عالميًا.

انسحاب الولايات المتحدة يعني:

  • تقليص مساهماتها المالية والمؤسسية في الوكالة، وبالتالي احتمال انخفاض موارد بعض برامج بناء القدرات التي تستفيد منها الدول النامية، بما في ذلك دول المنطقة العربية.
  • فتح المجال أكثر أمام اتحاد أوروبي، وصين، والهند، ودول الخليج المستضيفة (الإمارات) لتعزيز أدوارها القيادية داخل الوكالة، عبر التمويل وتوجيه أجندات العمل.
  1. أرقام أساسية حول التمويل والتحولات في الطاقة
Climate Finance Sources Composition 2018-2022 ($1.2 Trillion)
Climate Finance Sources Composition 2018-2022 ($1.2 Trillion)

الرسم البياني أعلاه يوضح التطور الملحوظ في مصادر التمويل المناخي من 2018 إلى 2022:

  • وصل التمويل المناخي الإجمالي إلى 2 تريليون دولار في 2022، مع تسارع الزيادة في 2023 لتجاوز 1.9 تريليون دولار.
  • الدور المتنامي للتمويل الخاص: من 35٪ من الإجمالي في 2018 إلى 40٪ في 2022، ما يعكس زيادة الثقة في الفرص الاستثمارية الخضراء.
  • العالم يحتاج إلى 3 تريليونات دولار سنويًا من 2024 إلى 2030 لتحقيق مسار 1.5 درجة مئوية، مما يعني فجوة تمويلية كبيرة بحوالي 4 تريليونات دولار سنويًا.

في المقابل، استثمارات الوقود الأحفوري واصلت الارتفاع لتصل إلى نحو 1.1 تريليون دولار في 2023 (أي ما يقارب نصف التمويل المناخي)، بينما بلغت دعم أسعار الوقود الأحفوري للمستهلكين أكثر من 1.4 تريليون دولار في 2022، ما يعكس عدم اتساق واضح بين الخطاب المناخي وتدفقات التمويل الفعلية.

انسحاب الولايات المتحدة من المنصات المناخية متعددة الأطراف يأتي إذًا في سياق اختلال أوسع بين حجم التحدي المناخي ومستوى الالتزامات الفعلية، ما يزيد الضغط على الدول الأخرى لسد الفجوة.

 

السابقة التاريخية: انسحاب ترامب من اتفاق باريس عام 2017 ودورة الانسحاب

  1. الإعلان عن الانسحاب (يونيو 2017) والتبريرات المعلنة

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الأول من يونيو/حزيران 2017، من فناء البيت الأبيض الوردي، قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من اتفاق باريس، رغم أن الاتفاق كان قد دخل حيز التنفيذ منذ أقل من ستة أشهر (نوفمبر 2016).

برّر ترامب القرار بحجج اقتصادية محضة، قائلاً: “لقد انتُخبت لتمثيل مواطني بيتسبرغ، وليس باريس… اتفاق باريس سيضعف اقتصادنا، يقيّد عمالنا، يضعف سيادتنا، ويفرض مخاطر قانونية غير مقبولة، ويضعنا في وضعية دائمة من التراجع أمام بقية دول العالم”.

لكن الخلفية السياسية كانت أعمق: اعتمد ترامب على حجة أن الاتفاق “غير عادل” لأنه يفرض التزامات أقل على دول مثل الصين والهند، بينما يقيّد الاقتصاد الأمريكي، في حين كانت الحقائق الفعلية الالتزامات في اتفاق باريس غير ملزمة قانونًا وتُحدد كل دولة أهدافها بحرية.

  1. الجدول الزمني للانسحاب الفعلي والدورة السياسية (2017–2026)
US Participation Timeline: Paris Agreement Cycles (2015-2026)
US Participation Timeline: Paris Agreement Cycles (2015-2026)

الرسم البياني أعلاه يوضح الدورة المثيرة للقلق من الانسحاب والانضمام:

  • الإعلان (يونيو 2017): ترامب يعلن الانسحاب.
  • الفترة الانتقالية (2017–2020): رغم الإعلان، الولايات المتحدة تبقى ملزمة قانونًا بتقديم تقارير الانبعاثات لمدة ثلاث سنوات.
  • الانسحاب الفعلي (نوفمبر 2020): ينفذ في اليوم التالي للانتخابات الرئاسية الأمريكية.
  • إعادة الانضمام (يناير 2021): الرئيس بايدن يوقع أمرًا تنفيذيًا لإعادة الدخول.
  • الانضمام الفعلي (فبراير 2021): تصبح الولايات المتحدة عضوًا رسميًا مجددًا.
  • الانسحاب الثاني (يناير 2025): ترامب يوقع أمرًا جديدًا للانسحاب مرة أخرى.
  • الانسحاب الفعلي المتوقع (يناير 2026): التاريخ المتوقع لبدء الانسحاب الثاني.

هذه الدورة تعكس استقطابًا عميقًا في السياسة الأمريكية، وتجسد الحقيقة المر: المؤسسات الدولية متعددة الأطراف تفتقر إلى آليات حقيقية لضمان استقرار الالتزامات السياسية تجاه تغيرات الحكومات.

خلال فترة إدارة بايدن (2021–2025)، اتخذت الولايات المتحدة مواقف طموحة في مفاوضات المناخ:

  • التزمت بتحقيق تخفيض 50–52٪ من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول 2030 (مقارنة بمستويات 2005).
  • ساهمت في صندوق المناخ الأخضر بمليار دولار أمريكي في 2021، وتعهدات إضافية بمليارات الدولارات في مجالات كفاءة الميثان والحفاظ على الغابات.
  • شاركت بنشاط في صياغة قواعد المادة 6 (أسواق الكربون الدولية) ومشاركة طموحة في COP26 (جلاسكو) و COP28 (دبي).

 

تأثر القطاعات الاجتماعية الأساسية: الشباب، النساء، الأطفال، والمجتمع المدني

  1. الأطفال والشباب: حرمان من التمويل والتمثيل

الأطفال وتعليمهم

تشير البيانات الحديثة إلى أن تأثر الأطفال من الانسحاب الأمريكي المتكرر أمر جسيم وفعلي:

  • وفق تقرير اليونيسيف الأخير، 242 مليون طفل في 85 دولة اضطروا لمغادرة الفصول الدراسية في 2024 بسبب أحداث مناخية متطرفة (موجات حر، فيضانات، أعاصير).
  • في بعض الدول النامية، ويشمل ذلك دول عربية كمصر، تشهد الأطفال تأثرًا مباشرًا: موجات الحر تغلق المدارس لأسابيع، الفيضانات تدمر البنية التحتية التعليمية، والجفاف يجبر الأسر على سحب الأطفال من المدرسة للعمل.
  • تُقدّر الدراسات أن حوالي مليار طفل يعيش في مناطق معرضة بشدة لمخاطر المناخ، مع تخمينات تشير إلى أن المناخ قد يمنع 12 مليون فتاة إضافية من إكمال تعليمهن سنويًا بحلول 2025 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

الشباب والتمويل الضائع

من أبرز المشاكل أن الشباب والشابات المؤمنون بقضايا المناخ يتلقون أقل من 1٪ من التمويل المناخي الدولي:

  • وفق دراسة PMC الحديثة، بينما تلقت المبادرات النسوية تمويلًا كبيرًا في التاريخ، المبادرات الموجهة برعاية شباب محدودة جدًا، وغالبًا ما تقل عن 3٪ من التمويل المتعلق بالتكيّف.
  • الشباب يواجهون حواجز في الحصول على التمويل: عمليات تقديم الطلبات معقدة، الافتقار إلى المعرفة التقنية بأدوات التمويل الحديثة (مثل البلوك تشين وسجلات التمويل الرقمية)، وعدم وجود شراكات مؤسسية.

الشباب والدبلوماسية المناخية

على الرغم من أن اتفاق باريس يعترف بأهمية إشراك الشباب في صنع القرار، الممارسة الفعلية تفسّر ذلك الاعتراف بشكل حرفي جداً:

  • للشباب مقاعد محدودة جداً في وفود التفاوض الرسمية، وغالباً ما يكون دورهم استشاريًا وليس قراريًا.
  • الانسحاب الأمريكي المتكرر يضعف الفرص المستقبلية: إذا لم تكن الولايات المتحدة في الطاولة، يقل الضغط على الدول الأخرى لتشمل الشباب بمعنى أعمق في العمليات الدبلوماسية والمالية.
  1. النساء والفتيات: الحرمان المضاعف

التأثر المباشر

النساء والفتيات يعانين من تأثر غير متناسب من تغيّر المناخ وفي نفس الوقت من تراجع التمويل:

  • الأعباء المنزلية تزداد: مع ندرة المياه والطاقة، تقع الأعباء الأساسية على النساء والفتيات (جلب الماء، جمع الحطب، رعاية الأطفال والمسنين).
  • الصحة الإنجابية والحيض: أوقات الجفاف الطويلة تجعل من الصعب على الفتيات إدارة صحتهن الحيضية، ما يرفع معدلات تسرب الفتيات من المدرسة خلال الفترات الشهرية.
  • العنف والاستغلال: البحث من منظمة بلان إنترناشيونال يظهر أن في تونغا، حوالي 1 من كل 5 فتيات (17٪) تعرضن للعنف عندما حدثت كارثة مناخية، و 9٪ تعرضن للزواج المبكر أو القسري.
  • في باكستان وبنغلادش والمناطق الريفية الضعيفة، الفتيات يتركن المدرسة أولاً لدعم الأسرة، مما يرفع مخاطرهن من الزواج القسري وعمالة الأطفال.

تمثيل النساء في قرارات التمويل والسياسة

Women's Representation in Climate Negotiations: COP14 to COP28
Women’s Representation in Climate Negotiations: COP14 to COP28

الرسم البياني أعلاه يكشف عن تباطؤ محبط في تمثيل النساء في المفاوضات المناخية:

  • تمثيل النساء كممثلات عن الدول ظل ثابتًا تقريبًا: من 31٪ في COP14 (2008) إلى 34٪ في COP28 (2023)، أي زيادة 3 نقاط فقط في 15 سنة.
  • قيادة نسائية ضعيفة جداً: أقل من 19٪ من رؤساء الوفود هم نساء، ما يعني أن القرارات الرئيسية لا تزال مسيطر عليها الرجال.
  • تباين جغرافي واضح: أفريقيا (31٪) وآسيا (28٪) تتخلفان بشكل كبير عن أوروبا (42٪)، ما يعكس نقص الموارد والقدرات المؤسسية في الجنوب العالمي.

في حين أعترفت اتفاقيات المناخ بأهمية المنظور الجندري (Gender-Responsive Climate Action):

  • النساء يواجهن حواجز في الوصول إلى تمويل المناخ بسبب تمييز في الأنظمة البنكية، افتقار إلى الضمانات، وعدم إدراج النساء الريفيات والمهمشات في عمليات اتخاذ القرارات.
  • إدارة ترامب الجديدة، بانسحابها من المنظمات متعددة الأطراف، تقلل من برامج بناء القدرات والتمويل الموجهة للنساء المناخيات في الدول النامية، خاصة برامج الطاقة النظيفة والزراعة المستدامة التي تعتمد على تمويل دولي.
  1. المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية: تآكل الشراكات

دور المجتمع المدني في الاتفاقيات المناخية

كان المجتمع المدني محوريًا في صياغة اتفاق باريس أصلاً:

  • في السنوات الخمس قبل باريس 2015 (خاصة بعد فشل كوبنهاغن 2009)، بنت ائتلافات عالمية من المنظمات غير الحكومية، الشركات الخاصة والأكاديميين ضغطًا هائلاً على الحكومات لاعتماد هدف 1.5 درجة مئوية والالتزام بالتمويل والعدالة المناخية.
  • ساهم المجتمع المدني في تشكيل أجندة المفاوضات، توفير البيانات العلمية، وتنسيق حملات عامة لإبقاء الحكومات على الطريق الصحيح.

التأثير السلبي للانسحاب الأمريكي

انسحاب الولايات المتحدة من UNFCCC و 66 منظمة دولية أخرى يضعف دور المجتمع المدني بعدة طرق:

  • تقليل التمويل: الكثير من برامج بناء القدرات والحملات التوعوية التي تمولها الولايات المتحدة (عبر USAID وصناديق أخرى) ستشهد تخفيفًا، مما يؤثر على منظمات المجتمع المدني في الدول النامية.
  • تضعيف الشرعية الدبلوماسية: عندما تغيب الولايات المتحدة الممثلة الكبيرة لقطاع الأعمال والمجتمع المدني الغربي من الطاولة، يقل نفوذ المجتمع المدني الدولي في المفاوضات.
  • إعادة ترتيب الأولويات السياسية: بدون ضغط أمريكي قوي من قطاع المجتمع المدني، قد تتراجع بعض الدول عن الالتزامات بالشفافية والمساءلة والعدالة المناخية التي دفع المجتمع المدني نحو تحقيقها.
  1. الهياكل المؤسسية: حواجز الوصول والتمثيل

التحديات الهيكلية في التمويل المناخي

المجموعات المهمشة (الشباب، النساء، المجتمعات المحلية، المنظمات الصغيرة) تواجه حواجز نظامية في الوصول إلى تمويل المناخ:

  • عمليات التقديم معقدة جداً: متطلبات المراجعات القانونية والمالية، الحاجة إلى خطط تفصيلية متعددة السنوات، والتزامات المطابقة المحلية (Co-financing) تستثني منظمات صغيرة ومحلية.
  • معايير “الجاهزية”: يجب أن تثبت المنظمات المحلية أنها لديها “جاهزية مؤسسية” (Institutional Readiness)، وهو معيار يفضل المنظمات الكبيرة المحلية ذات البنى الإدارية الكاملة.
  1. فقدان الثقة والآثار المجمعة

صدور رسالة سياسية متناقضة من الولايات المتحدة (الانسحاب–الانضمام–الانسحاب) يترك انطباعًا سلبيًا على الفئات الاجتماعية المستهدفة من عمل المناخ:

  • الشباب يشعرون بخيانة: عندما يرون قوة عظمى تسحب التزاماتها تمامًا بعد أربع سنوات، يشعرون بأن استثماراتهم في الحركات المناخية قد تكون عبثية.
  • النساء والمجتمعات الضعيفة يفقدن الثقة في الآليات الدولية: إذا لم تكن هناك التزامات ثابتة من الدول الكبرى، فكيف يمكن الاعتماد على التمويل والدعم المعلن؟

 

كيف نحصّن استراتيجياتنا المناخية والاستثمارية ومشاريع الانتقال العادل؟

  1. تعميق التمويل المحلي والإقليمي بدل الاعتماد الأحادي على التمويل الدولي

في ظل هشاشة التزامات التمويل الدولي، وعلى ضوء أن الدول المتقدمة لم تحقق سوى جزء من تعهداتها، يصبح من الضروري:

  • توسيع استخدام أدوات التمويل المحلي: السندات الخضراء والسندات المستدامة، الصكوك الخضراء، صناديق الاستثمار الوطنية المناخية، مع وضع أطر تصنيف (Taxonomy) وطنية للأنشطة الخضراء.
  • تفعيل صناديق إقليمية لدعم الانتقال العادل في الدول العربية، تسهم فيها الدول ذات الفوائض المالية وصناديقها السيادية.
  • تعزيز شراكات مع البنوك التنموية متعددة الأطراف والإقليمية (مثل بنك التنمية الإفريقي، البنك الإسلامي للتنمية، البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية)، التي تشكّل جزءًا متناميًا من التمويل المناخي العالمي.
  1. بناء استراتيجيات انتقال عادل تستند إلى الواقع المحلي

مشاريع الانتقال العادل في المنطقة (خاصة في البلدان المنتِجة للنفط والغاز وفي الاقتصادات الريعية) تحتاج إلى:

  • ربط واضح بين سياسات إزالة دعم الوقود الأحفوري وخطط حماية الفئات الأضعف، عبر برامج تحويلات نقدية، واستثمارات في خلق الوظائف الخضراء، وتطوير مهارات العمال المتأثرين بالتحوّل.
  • إدماج أبعاد العدالة المناخية الداخلية (بين الأقاليم والفئات الاجتماعية) في الخطط الوطنية.
  • تطوير أجندات بحثية وطنية وإقليمية مستقلة حول مخاطر الانتقال (Transition Risks) وفرصه.
  1. تنويع المرجعيات والمعايير في أسواق الكربون والطاقة

لتحصين استراتيجيات المنطقة في ظل تفتت الحوكمة العالمية، من المفيد:

  • تطوير أطر إقليمية موحّدة لمعايير الكربون والإفصاح المناخي.
  • إنشاء أو توسيع أسواق كربون وطنية أو إقليمية.
  • استثمار موقع المنطقة كمركز محتمل لـسلاسل قيمة الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء.
  1. تعزيز الدبلوماسية المناخية العربية وإدماج الشباب والنساء والمجتمع المدني

مع تقلص الحضور الأمريكي الرسمي في منصات الأمم المتحدة المعنية بالمناخ، تصبح الحاجة ماسّة إلى:

  • بناء كتل تفاوضية عربية وإقليمية أكثر تماسكًا داخل مفاوضات المناخ، مع إدراج ممثلي الشباب والنساء والمجتمع المدني في وفود التفاوض الرسمية، بدلاً من مقاعد استشارية حسب.
  • الاستثمار في الخبرات الفنية والقانونية داخل وزارات البيئة والخارجية والمالية، لضمان تمثيل قوي في اللجان التقنية.
  • توثيق الروابط مع تكتلات الجنوب العالمي (مجموعة الـ77 والصين، تحالف الدول الجزرية الصغيرة، تحالف الدول الإفريقية).

 

من رد الفعل إلى المبادرة

قرار الولايات المتحدة الانسحاب من 66 منظمة وهيئة دولية، بما فيها أعمدة الحوكمة المناخية مثل UNFCCC وIPCC وIRENA، يرمز إلى حقبة أكثر تقلبًا في النظام الدولي، حيث لم يعد بالإمكان افتراض استمرار التوافق على قواعد العمل متعدّد الأطراف أو على استدامة التمويل القادم من الشمال.

بالنسبة لدول منطقتنا والشباب والنساء والأطفال والمجتمع المدني، الاستجابة الفعّالة لا تكون في انتظار “عودة” الولايات المتحدة إلى الطاولة، بل في:

  1. تعميق التمويل المحلي والإقليمي بشكل سريع وجريء.
  2. تنويع الشراكات بعيدًا عن الاعتماد الأحادي على الشمال العالمي.
  3. بناء أسواق ومعايير إقليمية للكربون والطاقة بدل الانتظار.
  4. تعزيز الدبلوماسية المناخية برفع أصوات الشباب والنساء والمجتمع المدني.
  5. ضمان عدالة حقيقية في كل خطة انتقال عادل، بحيث لا تبقى مجرد شعارات دبلوماسية.

إذا لم تتحرك دول المنطقة بسرعة وحزم الآن، فإن الفرصة قد تضيع، والمشهد العالمي للمناخ قد يُعاد رسمه بدوننا، وبدون صوت الشباب والنساء والمجتمع المدني الذي يستحق أن يكون في الصفوف الأمامية من صناعة القرار.

أحمد سبع الليل

ناشط مصري في مجال المناخ والتنمية المستدامة وباحث في قضايا الشباب والبيئة، يعمل حاليا في مجال المجتمع المدني المصري، وشغل عضوية مجلس الشباب العربي للتغير المناخي (2022-2024)، ومؤسس منصة المناخ بالعربي، عمل منسقًا لمبادرات الشباب للتغيير الاجتماعي بدعم من منظمة العمل الدولية مكتب القاهرة بالتعاون مع مؤسسة ال قرة للتنمية المستدامة، شارك في إعداد تقارير اليونسكو للشباب والعمل المناخي، وكذلك في إعداد دليل حول تاريخ مفاوضات الدول العربية في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ. تلقى تدريبات متعددة في القيادة البيئية والعدالة المناخية، إدارة المشاريع المناخية، والصحافة المناخية، كما مثّل الشباب في محافل أممية وإقليمية عدة. حصل على جوائز تقديرية من مؤسسات مختلفة، وله مبادرات بيئية بارزة، ومحاضر دولي في مجالات تغير المناخ والبيئة والمهارات والوظائف الخضراء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى